ابن العربي
1009
أحكام القرآن
وأما قوله : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها - فإنه من صفة الصدقة ، وكذلك قوله : تزكيهم . يعنى أنّ الصدقة تكون سببا في طهارتهم وتنميتهم . وأهل الصناعة يرون أن يكون ذلك خطابا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، حتى بالغوا فقالوا : إنه يجوز أن يقرأ تطهّرهم - بجزم الراء ، ليكون جواب الأمر ، والذي نراه أن كونه صفة أبلغ في نعت الصدقة ، وأقطع لشغب المخالف ، وأبعد من المجاز بمنزلة . المسألة الثالثة - قوله : إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ : يعنى دعاءك . وقد تكون الصلاة بمعنى الدعاء في الأظهر من معانيها ؛ قال الأعشى « 1 » : تقول بنتي وقد يمّمت مرتحلا * يا ربّ جنّب أبى الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صلّيت فاغتمضى * نوما فإنّ لجنب المرء مضطجعا والسكن : ما تسكن إليه النفوس ، وتطمئنّ به القلوب . وقال قتادة « 2 » : وقار لهم . المسألة الرابعة - اختلف الناس في هذه الصدقة المأمور بها ؛ فقيل : هي الفرض ، أمر اللّه بها هاهنا أمرا مجملا لم يبين فيها المقدار ، ولا المحلّ ، ولا النصاب ، ولا الحول ؛ وبيّن في سورة الأنعام المحلّ وحده ، ووكل بيان سائر ذلك إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، مرتّب الشريعة بالحكمة في العبادات على ثلاثة أنحاء ؛ منها ما يجب مرّة في العمر كالحجّ ، ومنها ما يجب مرة في الحول كالزكاة ، ومنها ما يجب كل يوم كالصلاة . وقيل : نزلت في قوم تيب عليهم فرأوا أنّ من توبتهم أن يتصدقوا ؛ فأمر النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية بهذه الأوامر . قال ابن عباس : أتى أبو لبابة وأصحابه حين أطلقوا ، وتيب عليهم - بأموالهم إلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم . فقالوا : يا رسول اللّه ، هذه أموالنا فتصدّق بها عنا ، واستغفر لنا . فقال : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ، فأنزل اللّه : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ، وكان ذلك مرجعه من غزوة تبوك . وأبو لبابة ممن فرط في قريظة ، وفي تخلفه عن غزوة تبوك ، وحين تيب عليه قال :
--> ( 1 ) اللسان - مادة صلى ، وديوانه : 101 . ( 2 ) في القرطبي : قال قتادة : معناه وقار لهم .